مجد الدين ابن الأثير
384
المختار من مناقب الأخيار
وقال سلم بن زرعة بن حمّاد ، أبو المرضى ، شيخ بعبّادان له عبادة وفضل ، قال : ملح الماء عندنا منذ نيّف وستين سنة ، وكان هاهنا رجل من أهل السّاحل له فضل . قال : ولم يكن في الصّهاريج شيء ، وحضرت المغرب ، فهبطت لأتوضّأ للصلاة من النّهر ، وذلك في رمضان ، وحرّ شديد ، فإذا أنا به وهو يقول : سيّدي ، أرضيت عملي حتى أتمنّى عليك ؟ أرضيت طاعتي حتى أسألك ؟ سيّدي ، غسالة الحمّام لمن عصاك كثير . سيّدي ، لولا أنّي أخاف غضبك لم أذق الماء ، وقد أجهدني « 1 » العطش . قال : ثم أخذ بكفّه فشرب شربا صالحا ؛ فتعجّبت على صبره من ملوحته ، فأخذت من الموضع الذي أخذ فإذا هو بمنزلة السّكّر ، فشربت منه حتى رويت . قال أبو المرضى : فقال لي هذا الشيخ يوما : رأيت فيما يرى النّائم كأنّ رجلا يقول لي : قد فرغنا من بناء دارك ، لو رأيتها قرّت عيناك ، وقد أمرنا بنجدها « 2 » والفراغ منها إلى سبعة أيام ، واسمها السّرور ، فأبشر بخير . فلمّا كان يوم السابع ، وهو يوم الجمعة بكّر للوضوء فنزل في النهر وقد مدّ ، فزلق فغرق ، فأخرجناه بعد الصلاة ، فدفنّاه . قال أبو المرضى : فرأيته بعد ثالثة في النّوم وهو يجيء إلى القنطرة ، وهو يكبّر ، وعليه حلل خضر ، فقال لي : يا أبا المرضى ، أنزلني الكريم في دار السّرور ، فما ذا أعدّ لي فيها ؟ ! فقلت : صف لي . فقال : هيهات ، يعجز الواصفون عن أن تنطق ألسنتهم بما فيها ، فاكتسب مثل الذي اكتسبت ، وليت أنّ العباد يعلمون أنّ اللّه قد هيّأ لهم منازل معي فيها كلّ ما اشتهت أنفسهم ، نعم وإخواني وأنت معهم إن شاء اللّه تعالى ، ثم انتبهت . * * *
--> ( 1 ) في ( ب ) : « وقد أجهدني . قال » . ( 2 ) النجد : متاع البيت من فرش ونمارق وستور . معجم متن اللغة ( نجد ) .